فخر الدين الرازي

95

تفسير الرازي

لكل واحد من تلك الأعمال أثر في حصول تلك الهيئة النفسانية ، إذا عرفت هذا فنقول : إن الإنسان إذا واظب على الإتيان ببعض أنواع الذنوب ، حصلت في قلبه ملكة نفسانية على الإتيان بذلك الذنب ، ولا معنى للذنب إلا ما يشغلك بغير الله ، وكل ما يشغلك بغير الله فهو ظلمة ، فإذن الذنوب كلها ظلمات وسواد ، ولكل واحد من الأعمال السالفة التي أورث مجموعها حصول تلك الملكة أثر في حصولها ، فذلك هو المراد من قولهم : كلما أذنب الإنسان حصلت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود القلب ، ولما كانت مراتب الملكات في الشدة والضعف مختلفة ، لا جرم كانت مراتب هذا السواد والظلمة مختلفة ، فبعضها يكون ريناً وبعضها طبعاً وبعضها أقفالاً ، قال القاضي ليس المراد من الرين أن قلبهم قد تغير وحصل فيه منع ، بل المراد أنهم صاروا لإيقاع الذنب حالاً بعد حال متجرئين عليه وقويت دواعيهم إلى ترك التوبة وترك الإقلاع ، فاستمروا وصعب الأمر عليهم ، ولذلك بين أن علة الرين كسبهم ، ومعلوم إن إكثارهم من اكتساب الذنوب لا يمنع من الإقلاع والتوبة ، وأقول قد بينا أن صدور الفعل حال استواء الداعي إلى الفعل ، والداعي إلى الترك محال لامتناع ترجيح الممكن من غير مرجح ، فبأن يكون ممتنعاً حال المرجوحية كان أولى ، ولما سلم القاضي أنهم صاروا بسبب الأفعال السالفة راجحاً ، فوجب أن يكون الإقلاع في هذه الحالة ممتنعاً ، وتمام الكلام قد تقدم مراراً في هذا الكتاب . أما قوله تعالى : * ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) * فاعلم أنهم ذكروا في * ( كلا ) * وجوهاً أحدها : قال صاحب " الكشاف " : * ( كلا ) * ردع عن الكسب الرائن عن قلوبهم وثانيها : قال القفال : إن الله تعالى حكى في سائر السور عن هذا المعتدي الأثيم أنه كان يقول إن كانت الآخرة حقاً ، فإن الله تعالى يعطيه مالاً وولداً ، ثم إنه تعالى كذبه في هذه المقالة فقال : * ( أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهداً ) * ( مريم : 78 ) قال : * ( وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ) * ( فصلت : 50 ) ولما كان هذا مما قد تردد ذكره في القرآن ترك الله ذكره ههنا وقال : * ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) * أي ليس الأمر كما يقولون : من أن لهم في الآخرة حسنى بل هم عن ربهم يومئذ لمحجوبون وثانيها : أن يكون ذلك تكريراً وتكون * ( كلا ) * هذه هي المذكورة في قوله : * ( كلا بل ران ) * أما قوله : * ( إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) * فقد احتج الأصحاب على أن المؤمنين يرونه سبحانه قالوا : ولولا ذلك لم يكن للتخصيص فائدة ، وفيه تقرير آخر وهو أنه تعالى ذكر هذا الحجاب في معرض الوعيد والتهديد للكفار ، وما يكون وعيداً وتهديداً للكفار لا يجوز حصوله في حق المؤمن ، فوجب أن لا يحصل هذا الحجاب في حق المؤمن أجابت المعتزلة عن هذا من وجوه أحدها : قال الجبائي : المراد أنهم عن رحمة ربهم محجوبون أي ممنوعون ، كما يقال في الفرائض : الإخوة يحجبون الأم على الثلث ، ومن ذلك يقال : لمن يمنع عن الدخول هو حاجب ، لأنه يمنع من رؤيته وثانيها : قال أبو مسلم : * ( لمحجوبون ) * أي غير